
المتغطي بأمريكا عريان والطريق إلى قوة عربية حقيقية
كتب عبدالعزيز كمون
في السياسة كما في الحياة، تختصر الأمثال الشعبية أحيانًا تجارب طويلة من التاريخ. ومن بين هذه الأمثال قول الناس: “المتغطي بأمريكا عريان”.
ليس المقصود بهذا المثل إعلان خصومة مع دولة بعينها، بل التعبير عن حقيقة معروفة في عالم السياسة.الدول الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة أو الصداقة، بل بدافع المصالح أولًا وأخيرًا.
فعلى مدار العقود الماضية، رأينا كيف تتغير التحالفات الدولية بسرعة عندما تتغير المصالح. دول كانت يومًا حلفاء مقربين، ثم وجدت نفسها خارج الحسابات عندما تبدلت الظروف. وهذه ليست حالة استثنائية، بل هي طبيعة النظام الدولي منذ نشأته. فالقوى الكبرى تنظر دائمًا إلى العالم من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وليس من زاوية الوفاء الدائم لأي طرف.
ومن هنا تأتي الحكمة التي تقول إن الاعتماد الكامل على حماية الخارج قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنه لا يصنع قوة حقيقية ولا أمنًا دائمًا. فالدولة التي تبني أمنها فقط على ضمانات الآخرين تبقى دائمًا عرضة لتقلبات السياسة الدولية.
في عالمنا العربي، تزداد أهمية هذا الدرس. فالمنطقة العربية ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي قلب الطاقة العالمي وممر رئيسي للتجارة الدولية. وهذا ما يجعلها دائمًا في دائرة اهتمام القوى الكبرى. لكن الاهتمام الدولي لا يعني بالضرورة حماية دائمة لمصالح العرب، بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى صراع نفوذ بين القوى المختلفة.
ولهذا يصبح السؤال الضروري: كيف يمكن للعرب أن يؤمنوا أنفسهم في عالم سريع التغير؟
الإجابة، كما علمتنا تجارب الأمم، تبدأ أولًا من الداخل. فالقوة الحقيقية لأي منطقة لا تأتي من الخارج، بل من قدرتها على تنظيم نفسها وبناء تحالفاتها على أساس مصالحها المشتركة.
وفي هذا السياق يبرز الدور الطبيعي لمصر. فمصر لم تكن يومًا دولة عادية في معادلات المنطقة. عبر تاريخها الحديث كانت دائمًا عنصر توازن رئيسي في الشرق الأوسط، وقوة إقليمية كبرى تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا وبشريًا كبيرًا. وقد دفعت مصر عبر عقود طويلة أثمانًا باهظة دفاعًا عن قضايا المنطقة واستقرارها.
ومع ما تملكه دول الخليج من قوة اقتصادية هائلة وموارد مالية ضخمة، يصبح من المنطقي أن يتجه التفكير نحو بناء شراكة عربية أعمق تقوم على التكامل لا على التنافس. فحين تجتمع الإمكانات الاقتصادية الخليجية مع الثقل الاستراتيجي المصري، يمكن للعالم العربي أن يصنع قوة حقيقية تحمي مصالحه وتمنحه قدرًا أكبر من الاستقلال في قراره.
إن فكرة التحالف العربي الحقيقي ليست حلمًا بعيدًا، بل ضرورة تفرضها الظروف الدولية المتغيرة. فالعالم يتجه اليوم نحو التكتلات الكبرى، حيث تتعاون الدول المتقاربة جغرافيًا وسياسيًا لتأمين مصالحها في مواجهة التحديات العالمية.
والتاريخ يخبرنا أن الأمم التي تتوحد حول مصالحها المشتركة تصبح أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، بينما تظل الأمم المتفرقة دائمًا في موقع رد الفعل.
ولهذا فإن الحكمة السياسية في هذه المرحلة لا تعني قطع العلاقات مع القوى الكبرى، فالعالم اليوم يقوم على شبكة معقدة من المصالح المتبادلة. لكن الحكمة الحقيقية تكمن في ألا يكون الاعتماد كاملًا على طرف واحد، بل في بناء قوة ذاتية وتحالفات إقليمية متينة تجعل القرار العربي أكثر استقلالًا.
إن المستقبل الآمن للعرب لا يُبنى فقط على صفقات السلاح أو الاتفاقات الأمنية مع القوى البعيدة، بل على بناء منظومة عربية قادرة على حماية مصالحها بنفسها. ومصر، بثقلها التاريخي والاستراتيجي، يمكن أن تكون أحد الأعمدة الرئيسية في هذا البناء إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة.
وفي النهاية تبقى الحكمة التي قالها الناس ببساطة صادقة في معناها العميق: “المتغطي بأمريكا عريان”.
أما من يتغطى بقوة أمته وتماسكها، فإنه يملك غطاءً حقيقيًا لا تزيله تقلبات السياسة ولا تغيره رياح المصالح.
فإذا اجتمع العرب على كلمة سواء، وتكاملت قدراتهم بدل أن تتفرق، فلن يحتاجوا يومًا إلى البحث عن مظلة بعيدة… لأن السماء العربية نفسها ستكون كافية لتحميهم جميعًا.





